الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
279
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فهو نأتي أي مرتفع كالبيت ونحوه ، كذا يستفاد من اللغة . أقول : فالبناء المعروف في مسجد الحرام إنما سمي كعبة ، لأنه الجسم الذي له ستة سطوح مربعة ، وإن لم تكن متساوية ، ولتربيعها وخروجها عن سطح الأرض سميت كعبة ، فمنه يعلم وجه تسمية الكعبة بكعبة ولذا قال عليه السّلام في وجهه : لأنها مربعة ، فإن كل مربع هكذا ، فهو كعبة بالمعنى العام ، وأما وجه تربيع ساير ما ذكره عليه السّلام فهو يرجع إلى أن الكلمات التي بني عليها الإسلام أربع ، فحينئذ فالمستفاد منه أن العرش الذي معناه العلم ، كما هو الظاهر منه في هذا الحديث هو مفاد تلك الكلمات الأربع ، التي هي حقايق العلم وأصوله ، وحيث إن العلم بلحاظ المعنى ينقسم إلى أربعة وهو التنزيه والتحميد والتهليل والتكبير ويرجع إليها جميع العلوم والمعارف . وحيث إن هذه الأربع كلمات أمور معنوية ، فلا محالة لا بد من أن تكون مظاهره في عالم الملك ، الذي هو بعض مصاديق العرش أيضا أربعة بالنحو الذي ذكره عليه السّلام وأما كون حقائق العلم هي تلك الأربع كلمات ، لأن التوحيد الحقيقي الذي هو نتيجة الشرع والخلق ، والمقصود الأعلى منها إذا ظهر في قلب الولي بعد مشيه على طبق الشرع ومرضاته تعالى ، فأول ما يتلقى منه تعالى في القلب هو تنزيهه تعالى عما لا يليق بجنابه المقدس ، ثم بعد ما يرى العبد ما يرى من وحدانيته المقدسة المنزهة فيقدح في قلبه تحميده تعالى ، فيكون شراشر وجوده حامدا له ، ثم بعد ما وجد ما وجد يهلله تبارك وتعالى ، وينفي عنه كل ضد وند . فهو بشراشر وجوده مصداق لقوله : لا إله إلا الله ، ويتحقق فيه مفاده ، ثم بعد ذلك يرى عظمته تعالى في قلبه ، كل بحسب قربه إليه تعالى ، فلا محالة يكبره بقلبه بحقيقة التكبير ، فيكون بحقيقته مكبرا له تعالى من أن يوصف ، فإذا تحقق قلب العبد والولي بالكلمات الأربع تلك فهو حائز بالعلم والمعرفة الحقيقية ، ويستلزمه أنه يعلم سائر العلوم الدخيلة لحصول تلك الكلمات الأربع فحينئذ صحّ أن يقال : قلب المؤمن عرش الرحمن ، ولعله بهذا اللحاظ يطلق العرش عليه كما سيأتي ، فتدبر .